
***
من فوائد الآية الكريمة: قوله: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُوجوب مناظرة المشركين ومحاجتهم، ويؤخذ الوجوب من قوله: قُلْلأن الأصل في الأمر الوجوب.ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي أن يُستدل بالأوضح والأبين؛ فإن الرزق من الله عز وجل أمر معلوم (...)، لا يستطيع أحد أن يقول: إنه ينزل المطر أو أنه ينبت النبات، ففي باب المناظرة ينبغي للإنسان أن يستدل بما هو أَبْيَن وأوضح، وهذه طريقة القرآن كما مرَّ علينا في قواعد التفسير.ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إجابة السائل فيما هو واضح، جواز إجابة السائل عما سأل فيما هو واضح؛ لقوله: قُلِ اللَّهُ، ومثاله في الأمور العادية أنا أسألك مثلًا، مَنِ الذي جاء بكذا وكذا؟ توقف، عنده تلعثم إما جهلًا أو مكابرة، فأقول: أليس فلان هو الذي جاء به؟ فأقرِّرُك. وهذا -أعني إجابة السائل- إنما هي في الأمور الواضحة، أما في الأمور غير الواضحة فقد يُعارَض ولا يكون جوابه مقنعًا، لكن في الأمور الواضحة للسائل أن يجيب نفسه أيش؟ إذا تلعثم الخصم ولم يجب، أما إذا أجاب فالأمر واقع، وهذا الاستفهام الموجود في الآية الكريمة هذه هل أجاب عنه المشركون عنه بالحق في موضع آخر؟ نعم، في سورة يونس قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [يونس: ٣١].ومن فوائد الآية الكريمة: جواز محاجة الخصم بما يعرف في باب المناظرة بالسَّبْرِ والتَّقْسِيم، السبر يعني تتبع الشيء، والتقسيم يعني الترديد بَيْنَ هذا أو هذا؛ فمثله هنا وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍتتبعنا الحال، وجدنا أن حالَ كُلٍّ مِنَّا لا تخرج عن حالَيْن إما هدى وإما الضلال، وهي إما لنا وإما لكم وليس هناك شيء ثالث، هذا يعرف بالسَّبْرِ والتقسيم، ونظيره قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [مريم: ٧٧] هذه دعواه؛ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا، قال الله تعالى: أَطَّلَعَ الْغَيْبَيعني: هل يعلم الغيب أنه سيؤتى مالًا وولدًا؟ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم: ٧٨] يعني: أم أن الله أعلمه بذلك وعهد به إليه؟ فيه قسم ثالث؟ القسم الثالث الكذب؛ ولهذا قال: كَلَّاأي أنه لم يَطَّلِع الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدًا، قل لي يا أخ: ما الذي قلتُ؟ وما المثال الذي مَثَّلْتُ به؟ (...) بين هذا أو هذا، حتى يتبين أنه لا بد أن يكون أحد أمرين؟الطالب: المثال؟الشيخ: هات الآية مثالًا، نحن أو أنتم، الآن أمامنا طريقان هدى وضلال، إما نحن على الهدى وأنتم على الضلال، أو نحن على الضلال وأنتم على الهدى، كذلك الآية التي في سورة مريم واضحة أيضًا جدًّا: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم: ٧٧، ٧٨]، وجه ذلك أن الله قال: هل هذا اطلع الغيب وعلم أنه سيُؤتى مالًا وولدًا؟ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًاأي: أن الله أخبره وعهد به له بأنه سيؤتيه مالًا وولدًا؟ لأن دعواه هذه إما أن تكون كذبًا أو عنده علم من الغيب أو عَهْدٌ من الله، ويش قال الله تعالى في هذا؟ كَلَّايعني: لا هذا ولا هذا، إذا انتفى هذا وهذا ويش يبقى الأمر؟ يبقى الكذب، أنها دعوى كاذبة لا حقيقة لها، ولهذا قال: سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا [مريم: ٧٩، ٨٠].ومنه أيضًا قوله: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠] ويش الجواب؟ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُإن كان عنده عهد من الله فإن الله لا يخلف العهد قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، والجواب أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون.طيب هنا أي قلت: يستفاد من الآية الاستدلال بما يُعْرَف عند علماء المناظرة أو علماء المناظرة والجدل بماذا؟ بالسَّبْر والتقسيم؛ من قوله: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى.ومن فوائدها: التلطف مع الخصم والتَّنَزُّل معه للوصول إلى الإقرار بالحق؛ من قوله: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ؛ لأن هذا في غاية التنزل مع الخصم والتلطف معه ليقرَّ بالحق، وانظر إلى نحوٍ من ذلك في قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]، معلوم أن الله خير، أليس كذلك؟ لكن من باب التنزل معهم قيل لهم: آللَّهُ خَيْرٌأم أصنامكم وآلهتكم؟ومن فوائد الآية الكريمة: المبالغة في التَّنَزُّل مع الخصم وتحمل الغضاضة للوصول إلى الغاية المقصودة؛ لقوله: قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ [سبأ: ٢٥]، ونظير هذا التنزل مع الخصم وتحمل الغضاضة الشروط التي وقعت بَيْنَ مَن؟ بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش في صلح الحديبية، وكانت النتيجة والعاقبة لمن؟ للرسول صلى الله عليه وسلم...لهؤلاء المشركين أن تنفعهم هذه الآلهة، فهل تنفعهم؟ لا، لا يمكن أن تنفعهم؛
وذلك لانتفاء أسباب النفع من عدة أوجه: أولًا: لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا
في الأرض استقلالًا، ولا يملكون ذلك مشاركة، وليس لهم معونة يعينون الله تعالى بها،
والرابع ليس لهم شفاعة إلا بعد إِذْن الله، فبيَّن الله تعالى أن أسباب النفع في
هذه الآلهة منتفية.
فقوله: لَا يَمْلِكُونَالجملة
استئنافية لبيان حال هؤلاء الآلهة، (لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍوزن ذرة من خير أو شر فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) صح
هذا، لا يملكون مثقال ذرة لا في السماوات ولا في الأرض، ويملكون دون المثقال! ولا
دون المثقال؟! نعم؛ لأن التقدير إذا قُصِدَ به المبالغة فلا مفهوم له سواء كان في
الكثرة أو في القلة، فهنا لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍيعني: ولا دونها واضح؟
طيب، في الكثرة: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ [التوبة: ٨٠]، ولو أكثر من سبعين ما يغفر الله لهم؛ ولهذا قال في آية (المنافقين): سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون: ٦]، فإذا جاء القيد
للمبالغة قلة أو كثرة فليس له مفهوم.
إذن لا يملكون مثقال ذرة ولا دونها في
السماوات ولا في الأرض، ولو كانوا يملكون ذلك لقلتم: نتعلق بهم لعلهم يعطوننا مما
يملكون، صحَّ ولَّا لا؟ طيب، هل لهم شرك في السماوات أو في الأرض؟ لا، ولو كان لهم
شرك لقلتم: لعلهم يعطوننا من نصيبهم، ولهذا قال: (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍشركة)
مِنْهذه زائدة لفظًا لا معنى، وعلى هذا فـشِرْكٍمبتدأ مؤخر، وخبره الجار والمجرور المقدم وَمَا لَهُمْما لهم شرك في السماوات ولا في
الأرض.
(وَمَا لَهُتعالى: مِنْهُمْمن الآلهة مِنْ ظَهِيرٍ) وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍمِنْ ظَهِيرٍأيضًا
نقول في إعرابها كما قلنا مِنْ شِرْكٍ؛ أي: أن مِنْزائدة لفظًا لا معنى، وظَهِيرٍمبتدأ مؤخر، والظهير بمعنى المعين، كما قال تعالى:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨]، إذن ليس لهم مع الله معونة
حتى يُدْلُوا على الله بها، ويقولون: أعطنا عوض معونتنا لننفع مَن أيش؟ من يدعونا،
ما لهم مساعدة مع الله، (وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍمعين).
(وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُتعالى ردًّا لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده
إِلَّا لِمَنْ أَذِنَبفتح الهمزة وضمها
{أُذِنَ لَهُ} فِيهَا) إذا قالوا: نعم آلهتنا لا
تملك شيئًا في السماوات ولا في الأرض، آلهتنا ليس لها مشاركة مع الله، آلهتنا لم
تُعِن الله، لكنها تشفع، كما قالوا؛ يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: ١٨]، تشفع، قطع الله هذه الوسيلة
الأخيرة وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُإذن هذه الآلهة ما تستطيع أن تشفع إلا بعد إِذْنِ الله، وهل
يمكن أن يأذن؟ لا، لا يمكن؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٦]، ويقول عز وجل: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]، ومعلوم أنه سبحانه
وتعالى لا يرضى عن الكافرين لا أن يشفعوا، ولا أن يُشْفَع فيهم، فتبين أن جميع ما
يتعلق به المشركون في شركهم مع الله كلُّه باطل وكلُّه ممتنع؛ فإن الأسباب التي
يمكن أن ينتفعوا بها واحد من أمور أربعة -نعدها-: الملك استقلالًا، الملك مشاركة،
الإعانة، الشفاعة، وكل هذه الأربعة منتفية في عبادة هذه المدعُوَّة من دون الله،
فانقطع جميع كل سبب يتشبث به المشركون، وحينئذ فيجب أن تكون العبادة والدعاء لمن؟
لله تعالى وحده؛ لأنه هو الذي له ملك السماوات والأرض.
طيب، ما هي الشفاعة عنده؟
الشفاعة في اللغة: جَعْل الفرد شِفْعًا، أو جَعل الوِتْر شفعًا، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣]، فضموا واحدٍ إلى
واحد؟
طلبة: شفع.
الشيخ:
وضم واحد إلى ثلاثة؟
طلبة: شفع.
الشيخ: شفع، وهكذا. لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير في جلب
منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة؛ أن تتوسَّط لغيرك إما بجلب منفعة له أو دفع مضرة،
فالشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة في جلب منفعة، والشفاعة فيمن استحق النار ألا
يدخلها وفيمن دخلها أن يُخْرَج هذه شفاعة لدفع الضرر، فلا تخرج الشفاعة عن هذين
الأمرين: إما لجلب النفع، وإما لدفع الضرر.
إنسان شفع لشخض في أن تُعْلَى
مرتبتُه؟ جلب منفعة. شفع لشخص أن كتب عليه غرامة أن ترفع عنه الغرامة، هذه دفع
مضرة.
وقوله: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُأو {أُذِنَ لَهُ} الإذن هنا الكوني ولَّا الشرعي؟ الكوني يعني:
إلا لمن رَخَّص الله له في أن يشفع، وشرط الإذن أن يكون الله تعالى راضيًا عن
الشافع أيش؟ والمشفوع له، فيأذن فيها سبحانه وتعالى كرامةً للشافع وبيانًا لفضله
ورحمة بالمشفوع له وإحسانًا إليه، والله (...).
مِنْ دُونِ اللَّهِالدعاء هنا (...).
يقول الله عز وجل: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ [سبأ: ٢٠] يستفاد من هذا أن إبليس يوصف بالصدق ويوصف بالكذب وما هو الوصف اللازم
له؟ الكذب؛ قال الله تعالى: وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء: ١٢٠]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ» ، ولكن قد
يصدُق.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز
وجل في تسليط الشيطان على بني آدم؛ وهي أن يعلم من يؤمن بالآخرة فيعمل لها ممن لا
يؤمن ويكون في شك فلا يَعْمَل؛ لقوله: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ.
ومن
فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان حاجز عن اتباع الشيطان؛ لقوله: فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، ولهذا
يمر بكم كثيرًا: لا يؤمن أحدكم حتى يكون كذا وكذا، من كان يؤمن بالله واليوم فليقل
كذا وكذا أو فليفعل كذا كذا، مما يدل على أن الإيمان حاجز عن اتباع الشيطان وموجب
لاتباع هديِ الرُّسل عليهم الصلاة والسلام.
ومن فوائد
الآية الكريمة: أن الشيطان إمام لكل ضالٍّ؛ لقوله: فَاتَّبَعُوهُ، فكل الضالين إمامهم الشيطان وهم مُتَّبِعون
له.
ومن فوائد الآية الكريمة -على إذا قلنا بأن
مِنَللتبعيض، وأن المراد بالاتباع الاتباع المطلق- من
فوائدها: أن بعض المؤمنين قد يتبع الشيطان في بعض الأمور، لأنه قلنا: ربما يكون
الاستثناء متصلًا، وتكون مِنَ؛ إذ إن بعض المؤمنين قد
يتبعون الشيطان في بعض الأمور مثال ذلك: «لَا يَأْكُلْ
أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبْ بِشِمَالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ
بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» إذا
فعل أحد ذلك صار متبعًا للشيطان، ولهاذ كان القولُ الراجح تحريمَ الأكل بالشمال
والشرب بالشمال، وأنه ليس مكروهًا بل هو حرام، والإنسان يكون عاصيًا بذلك، إلَّا
إذا كان أفندينًا تَقَدُّمِيًّا حضاريًّا فإنه يأكل بالشمال.
طالب: بالشوكة.
الشيخ: لا، الشوكة ما
تخالف، لكن الكلام على الشمال، إذا أكلت باليمين كُلْ بثلاث شوك ما يهم، لكن إذا
أكلت باليسار هذه هي المشكلة الذي يزعم فاعلوها أنهم تقدميون وحضاريون، نعم، ولكن
ليس كل تقدُّمٍ محمودًا؛ فإن الله يقول عن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: ٩٨]، طيب، إذن على هذا القول الأخير: أن مِنْللتبعيض يكون الاستثناء متصلًا ويكون لبعض المؤمنين شيء
من اتباع الشيطان لا الاتباع الكامل.
ومن فوائد الآية
الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: إِلَّا لِنَعْلَمَ، وتعلق علم الله تعالى بالموجودات سبق لنا أمس أنه ينقسم إلى
قسمين: تعلق بها قبل الوجود، وتعلق بها بعد الوجود؛ فالتعلق بها بعد الوجود يكون
علمه بها علم أمر واقع، والأول يكون تعلق علمه بها أنه علم بما سيقع، وبهذا يزول
الإشكال في مثل هذه الآية حيث إن ظاهرها يفيد تجدد علم الله سبحانه وتعالى، لأنا
نعلم أن الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء علمًا أزلًا وأبدًا، ومن ظن أن الله لا
يعلم الشيء إلا بعد وجوده فقد كفر.
ومن فوائد الآية
الكريمة: إثبات الآخرة ووجوب الإيمان بها، تؤخذ.. منين تؤخذ؟
طالب: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ.
الشيخ: إذن فيه إثبات الآخرة ووجوب الإيمان بها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشك فيما يجب فيه اليقين كفر؛
لقوله: مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ، ولم يقل: ممن
هو منكر لها؛ لأنه قد تقول: ظاهر الحال إنه لما قال: يؤمن بالآخرة كان يقول اللي
يقابله: (يكفر بالآخرة)، لكن قال: مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّلنستفيد منها فائدة وهو أن ما يُطلَب فيه اليقين يكون الشك فيه
كالإنكار كفرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم
رعاية الله ومراقبته لكل شيء، تؤخذ منين؟
طالب: وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ.
الشيخ: وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌصح.
ومن فوائدها: أن ربوبية الله
عز وجل تنقسم إلى خاصة وعامة، والخاصة إلى أَخَصّ وإلى خاصة؛ لقوله: وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌفهذه ربوبية أخص من
الخاصة، فإن ربوببة الله عز وجل لخواص عباده كالأنبياء أخص من ربوبيته لعموم
المؤمنين، وربوبيته للمؤمنين أخص من ربوبيته لعامة الناس؛ شوف إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا [النمل: ٩١] خاصَّة ولَّا عامة؟
طالب: عامة.
الشيخ: يا إخوان، رب هذه
البلدة خاصة كيف عامة؟ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَابعدئذٍ لما كانت الربوبية الخاصة هنا قد تُوهِم اختصاص ربوبيته
لهذه البلدة، بعد هذا قال: وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍعامٌّ.
ثم قال الله عز وجل: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سبأ: ٢٢] في هذا دليل على أنه ينبغي في
المناظرة التحدي للمناظر فيما يُعْلَم أنه لن يكون؛ لقوله: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ؛ فيجب على كل دعاة حق أن يتحدوا هؤلاء
المبطلين بأن يُبْرِزوا لباطلهم شيئًا من النفي، وهذا كما أنه في الشرك يكون أيضًا
فيما دونه، فإنه ينبغي أن يكون الداعي إلى الله عز وجل على علم بالأمور حتى يستطيع
الجدل فيها؛ لأن من لم يكن على علم فيها فإنه سيقف حيران ولا يتمكن من مقابلة
الخصم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الأصنام
المدعوة من دون الله لا تملك شيئًا لنفسها فلا تملك شيئًا لغيرها، ليس لها ملك ولا
شرك في الملك ولا معاونة على تَصَرُّف ولا شفاعة، والأمر في هذا واضح لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُأي ما لله مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ.
ومن فوائدها:
إثبات الشفاعة بإذن الله؛ لقوله: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، ولو كانت الشفاعة لا تنفع مطلقًا ما
صح الاستثناء، ولو كانت تنفع مطلقًا ما صح النفي، انتبه لو كانت الشفاعة مطلقًا
تنفع، أذن الله فيها أم لم يأذن، ما صحَّ النفي، ولو كانت تنفع مطلقًا ما صح
الاستثناء، إذن فهي تنفع بإذن الله.
***
وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُأي: عند الله إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، وهنا لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ؛ لكمال سلطانه، فالنفي هنا متضمن لإثباتٍ وهو كمال السلطان؛ لأن من كمال السلطان ألا يتكلم أحد عند الملِك المشفوع إليه أبدًا إلا بإذنه؛ ولهذا تجد الإنسان إذا كان ذا هيبة عند الناس وكان في مجلس تجد الناس لا يتكلمون هيبةً له، وتجد السلطان إذا كان ذا هيبة ما أحد يقدر يتكلم في مكان جلوسه ولا مع أخيه سرًّا؛ لأنهم يهابونه، فلكمال سلطان الله عز وجل لا يستطيع أحد يشفع إلا بإذنه، حتى أخص عباده به وهم الأنبياء، وأخصهم محمد صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يشفع إلا إذا أَذِن الله، حتى في مقام الرحمة يوم القيامة فإن الله تعالى يجعل مئة رحمة يرحم بها الخلق، في مقام الرحمة وعند شدة الهَمِّ والغم المقتضي لرحمة الله ما يمكن يشفع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بإذن الله أبدًا؛ لماذا؟ لكمال سلطان الله عز وجل إذا كانت الشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله، فهل هذه الأصنام المكروهة عند الله المُنْحَطَّة عنده قَدْرًا هل يمكن أن تشفع لعابديها؟ أبدًا، حتى عيسى عليه الصلاة والسلام الذي عُبِدَ من دون الله لا يمكن أن يشفع لعابديه؛ ولهذا يقول يوم القيامة: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة: ١١٧]، ولا يمكن أن يشفع لهم.***
من فوائد الآية الكريمة: قوله: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُوجوب مناظرة المشركين ومحاجتهم، ويؤخذ الوجوب من قوله: قُلْلأن الأصل في الأمر الوجوب.